محمد بن جرير الطبري
270
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وأهل الإساءة بما رأى ، ويتفضل على من لم يكن منهم كافرًا فيعفو . ولذلك قال جل ثناؤه : " وإلى الله تُرجع الأمور " ، وإن كانت أمور الدنيا كلها والآخرةِ ، من عنده مبدؤها ، وإليه مصيرها ، إذْ كان خلقُه في الدنيا يتظالمون ، ويلي النظرَ بينهم أحيانًا في الدنيا بعضُ خلقه ، فيحكم بينهم بعضُ عبيده ، فيجوزُ بعضٌ ويعدل بعضٌ ، ويصيبُ واحد ويخطئ واحد ، ويمكَّن من تنفيذ الحكم على بعض ، ويتعذَّر ذلك على بعض ، لمنعة جانبه وغلبته بالقوة . فأعلم عبادَه تعالى ذكره أن مرجع جميع ذلك إليه في موقف القيامة ، فينصف كُلا من كُلٍّ ، ويجازي حق الجزاء كُلا حيثُ لا ظلمَ ولا مُمْتَنَعَ من نفوذ حكمه عليه ، وحيث يستوي الضعيف والقويّ ، والفقير والغني ، ويضمحل الظلم وينزلُ سلطان العدل . * * * وإنما أدخل جل وعزّ " الألف واللام " في " الأمور " ، لأنه جل ثناؤه عنى بها جميع الأمور ، ولم يعن بها بعضًا دون بعض ، فكان ذلك بمعنى قول القائل : " يعجبني العسل - والبغل أقوى من الحمار " ، فيدخل فيه " الألف واللام " ، لأنه لم يُقصد به قصد بعض دون بعض ، إنما يراد به العموم والجمع . * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : { سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ } قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : سل يا محمد بني إسرائيل = الذين لا ينتظرون - بالإنابة إلى طاعتي ، والتوبة إليّ بالإقرار بنبوتك وتصديقك فيما جئتهم به من عندي - إلا إن آتيهم في ظلل من الغمام وملائكتي ، فأفصلُ القضاء بينك وبين من آمن بك وصدَّقك بما أنزلت إليك من كتبي ، وفرضت